محمود توفيق محمد سعد

162

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

لا يتأتى البتة تكرّر عنصر مهمّ من عناصر البيان هو ذو أثر جليل في تصوير المعنى . ذلك العنصر هو السياق الذي يقوم فيه البيان المعاد ذكر مكوّنه المرتّل ، فإذا ما تغير موقع البيان المعاد مكوّنه المرتّل تغير المكنون المتذوّق ، فليس القائم بالمعنى المكنون في البيان هو ما يرتله اللسان بل هنالك أمور أخرى هي لا تقلّ منزلة عنه منها السياق المقالى الذي يقوم فيه لك البيان ، وذلك السياق معصوم من التناسخ ، فهو كدفقة الموج في سياق ماء المحيط الزّاخر لا تتكرّر أبدا والبقاعيّ ينظر في السياق الكليّ للمعنى القرآنيّ فيبصر أنّه من منازل ومراحل ذات وجوه عدّة من تلك الوجوه النظر في بيان اللّه عزّ وجلّ عن القرآن الكريم منزله ومقصده ، فنظر " البقاعيّ " في هذا البيان فرأى أن تفصيل أم الكتاب قد بدأ بالبقرة المستهلة بيانها عن القرآن الكريم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ وكانت التالية لمفتتح هذه المرحلة هي سورة " آل عمران " وقد أثبت فيها أنّ القرآن الكريم حقّ : نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ( آل عمران : 3 ) وأنّ السياق قد امتدّ حتى آخر سورة " التوبة " التي هي آخر ( الطول ) والنازلة في شأن غزوة العسرة : تبوك ، وهي في غزو الروم ، وكان انتهاء التلاوة فيها يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ إلى قوله سبحانه وتعالى : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( التوبة : 123 - 129 ) وابتدأ البيان من بعد هذه المرحلة بسورة ( يونس ) التي هي أوّل ( المئين ) والمستهلة بيانها أيضا عن القرآن الكريم الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ * أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ ( يونس : 1 - 2 ) وكان مقصودها الأعظم " وصف الكتاب بأنّه من عند اللّه جلّ جلاله لما اشتمل عليه من الحكمة . . . . "